أحمد بن محمود السيواسي
194
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قدم على « لَيْسَ » ، وهو دليل لمن يدعي جواز تقديم خبر « لَيْسَ » عليها ، لأنه إذا جاز تقديم المعمول كان قديم عامله أجوز وأولى ، إذ المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل . [ سورة هود ( 11 ) : آية 9 ] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ ) أي الوليد بن المغيرة أو الجنس ( مِنَّا رَحْمَةً ) أي نعمة كالعافية والغنا ( ثُمَّ نَزَعْناها ) أي أزلنا تلك النعمة ( مِنْهُ ) أي من الإنسان ( إِنَّهُ لَيَؤُسٌ ) أي شديد القنوط من أن لا تعود إليه قاطع الرجاء من فضل اللّه بلا صبر وتسليم لقضائه ولا استرجاع ( كَفُورٌ ) [ 9 ] أي عظيم الكفران بانعام اللّه عليه النعم الوافرة فيما مضى من الزمان لا يشكره أصلا على ذلك . [ سورة هود ( 11 ) : آية 10 ] وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) ( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ ) أي الإنسان ( نَعْماءَ ) أي وسعة النعمة وتمام الصحة ( بَعْدَ ضَرَّاءَ ) أي بعد شدة « 1 » ( مَسَّتْهُ ) أي أصابته ( لَيَقُولَنَّ ) أي الإنسان ( ذَهَبَ السَّيِّئاتُ ) أي زالت الشدائد ( عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ ) أي بطر ( فَخُورٌ ) [ 10 ] أي متجبر على الناس بما أذاقه اللّه من نعمائه وقد شغله الفخر عن الشكر ، قيل : « الفرح لذة في القلب لنيل المشتهى ، والفخر التطاول على الناس بتعديد المناقب ، وذلك منهي عنه » « 2 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 11 ] إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) قوله ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) إن نالتهم شدة استثناء متصل من « الْإِنْسانَ » أو منقطع ، أي لكنهم ليسوا كذلك ، فمحل « الَّذِينَ صَبَرُوا » رفع ، مبتدأ وعطف على الصلة قوله ( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) بينهم وبين ربهم ، يعني إن نالوا نعمة أقروا وشكروا ، وخبر المبتدأ ( أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) من الذنوب ( وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) [ 11 ] وهو الجنة واللقاء . [ سورة هود ( 11 ) : آية 12 ] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 12 ) قوله ( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) نزل حين قالت كفار مكة إئت بقرآن غير هذا ، ليس فيه سب آلهتنا ، وقالوا أيضا : كيف لا ينزل عليه ملك نراه أو كيف لا يكون له كنز من المال ينفقه حتى نتبعه ، فهم النبي عليه السّلام أن يترك سب آلهتهم ظاهرا « 3 » ، فقال تعالى لعلك تقصد ترك بعض الموحى إليك فلا تبلغه إياهم مما يسؤهم رجاء أن يتبعوك ( وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) أي ويضيق بما كلفت قلبك ، يعني بما نتلوه عليهم مخافة ( أَنْ يَقُولُوا ) تكذيبا ( لَوْ لا ) أي هلا ( أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ) ينفقه ( أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) يصدقه ويعينه ، ثم قال تعالى يا محمد ( إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ) من اللّه برسالته فلا تترك النذارة وأد الرسالة فإنما عليك الإنذار وتبليغ الرسالة ( وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) مما يقصدونك به من السوء ( وَكِيلٌ ) [ 12 ] أي حفيظ يحفظ ما يقولون ، فيجازيهم به ، فعليه توكل وبلغ الوحي بقلب فسيح ولا تبال بسفههم ، فإنه ناصرك عليهم وذكر « ضائِقٌ » مكان « ضيق » ليدل على أن ضيقه كان عارضا لا مستمرا كسيد وسائد ، المعنى : أنهم لا يقرون بأنك رسول اللّه والقرآن ينزل عليك من اللّه . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 13 إلى 14 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 14 ) ( أَمْ يَقُولُونَ ) أي بل يقولون ( افْتَراهُ ) أي اختلقه من تلقاء نفسه ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ) أي مثل سور القرآن آية سورة كانت ( مُفْتَرَياتٍ ) أي مختلقات تماثله « 4 » في حسن النظم والبيان إن كنتم تزعمون أن محمدا اختلقه من ذات نفسه ، قيل : كيف يستقيم هذا مع قوله في يونس فَأْتُوا سورة مِثْلِهِ « 5 » ، وقد عجزوا عنه فيكون كقول
--> ( 1 ) أي بعد شدة ، س : أي شدة ، ب م . ( 2 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 194 . ( 3 ) نقله المصنف عن البغوي ، 3 / 195 . ( 4 ) تماثله ، ب س : مماثله ، م . ( 5 ) يونس ( 10 ) ، 38 .